الشيخ محمد رشيد رضا

220

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أشد شعورا بالحاجة إلى مغفرته ورحمته ، وان كان ما يستغفر منه تقصيرا صغيرا بالنسبة إلى ذنوب الغافلين والجاهلين ، أو من باب : حسنات الأبرار سيئات المقربين ، فإن كان هذا الدعاء عقب طلب الرؤية ، فوجه طلبه للمغفرة والرحمة لنفسه أظهر ، لان طلبه ذاك كان ذنبا له ، صرح بالتوبة منه ، وان كان عقب طلب السبعين رؤية اللّه جهرة فالامر أظهر ، لان الذنب مشترك ، وان كان على اثر حادثة عبادة العجل ، فقد علم ما كان من شدته فيها على أخيه هارون عليهما السّلام ، وانه طلب لكل من نفسه وأخيه المغفرة على الانفراد ، والرحمة بالاشتراك ، وان كان عقب تمرد بني إسرائيل الذي عاقبهم اللّه تعالى عليه باهلاك بعضهم وتهديدهم بالاستئصال ، فادخال نفسه معهم من باب الاستعطاف ، إذ لم ينقل عنه فيه شيء مما يعد من ذنوب الأنبياء عليهم السّلام ( تخطئة من اتهم الكليم عليه السّلام ، بالجرأة على ربه في هذا المقام ) كنت في أول العهد بطلبي للعلم في طرابلس الشام اسمع بعض العلماء والأدباء ينقلون عن بعض الصوفية أن موسى عليه السّلام لم يقل لربه عز وجل ( إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ ) إلا وقد كان في مقام الانس والادلال ، الذي يطلق اللسان بمثل هذا المقال ، وان هذا خير جواب عما قيل من أن هذا القول جرأة عظيمة تاب منها عليه السّلام . وقال الآلوسي في تفسير الآية : والقول بأن اقدامه عليه السّلام على أن يقول ( إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ ) جرأة عظيمة فطلب من اللّه غفرانها والتجاوز عنها - مما يأباه السوق ، عند أرباب الذوق ، ولا أظن أن اللّه تعالى عد ذلك ذنبا منه ، ليستغفره عنه ، وفي ندائه السابق ما يؤيد ذلك اه وأقول لا مجال للقول بالجرأة ولا بالادلال ، وما كان هذا بالذي يخطر للعربي القح ببال ، ولا للعالم الدقيق بمعاني المفردات وأساليب المقال ، وسببه كلمة « الفتنة » فقد اشتهر من عهد بعيد فيما أظن أن معناها اغراء الشر بين الناس وأراهم يتناقلون استعمال قوله تعالى ( وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ) بهذا المعنى ، وله أصل في استعمال العرب فإنها تطلق على الحرب ويوصف الشيطان بالفتان . ولكن هذا وذاك من المعاني الفرعية لهذه المادة وانما معناها الأصلي الذي تفرعا هما وأمثالهما واضدادهما منه الامتحان والاختبار ولا سيما الشاق الذي يظهر به جيد الشيء أو الشخص من رديئه ، كعرض الذهب على النار : لتصفية الغش